|
ثامر قرقوط
حتى الآن على الأقل، لم تقل وزيرة الاقتصاد والتجارة لمياء عاصي أي شيء، ولم تتحدث علناً لوسائل الإعلام أو غيرها، عن أي موضوع يخص عمل وزارتها، رغم مضي أكثر من أسبوعين على صدور مرسوم تعيينها (في 18 كانون الثاني الماضي).
وبالتأكيد ليست المشكلة هنا، إذ جرت العادة أن يعطى المسؤولون المعيَّنون مهلة المئة يوم الأولى، ليتسنى لهم دراسة ملفاتهم، وإقرار الأوَّليات، وتحديد المهام المطلوبة مرحلياً، ورسم الاستراتيجيات المناسبة، وغيرها من القضايا. ومن المفترض أن تكون الإطلالة الأولى للوزيرة عاصي ذات معنى ومغزى كبيرين، أقلهما أن تُظهر خطة عملها للمرحلة القادمة، وماذا ستفعل فيما يتعلق ببعض الملفات الساخنة في الاقتصاد السوري.
إلا أن وجود أول امرأة تحمل حقيبة مهمة للغاية مثل الاقتصاد، هو أمر يسترعي الانتباه، ويثير بعض الأسئلة في الوقت ذاته. والأمر لا علاقة له بأن النساء أقل فساداً من الرجال كما تُظهر استطلاعات الرأي، أو أنهن أقدر على إدارة الشؤون..إلخ، فالمُنتظر اليوم من وزيرة الاقتصاد أكبر من هذا وذاك بكثير، ويتعلق بشكل مباشر بوضع الاقتصاد السوري والتحديات التي تواجهه. وما يثير الانتباه للوهلة الأولى في تعيين عاصي هو جهة قدومها، فهي كانت سفيرة سورية في ماليزيا، وهو أمر مهم جداً ويستحق التوقف عنده، وقراءة مابين سطوره، ريثما تعلن الوزيرة عاصي خطة عملها، ويتبين لنا أسلوبها في إدارة الملفات الاقتصادية.
بادىء ذي بدء، لابد من تأكيد غنى التجربة الماليزية اقتصادياً، إذ لا يمكن نكران السرعة التي تحولت فيها ماليزيا إلى أحد أهم النمور الآسيوية، ومن الضروري الاستفادة من تجربتها التي نقلتها إلى مصاف الدول المتطورة والسريعة النمو. وفي فترة مضت كان الفكر الاقتصادي السوري ينظر بإعجاب إلى التجربة الماليزية، ومازال هكذا، فالتجربة الماليزية ربما كانت قاسماً مشتركاً بين التيارات الاقتصادية والفكرية السورية، التي دعت إلى الاستفادة منها، إذ كانت محط توافق بين الجميع وأمل بتطبيق ما يتناسب منها مع الاقتصاد السوري. وفي عود إلى الوراء تبدو سياسات مهاتير محمد الاقتصادية شبيهة إلى حد كبير بما طُرح في سورية في الفترة ذاتها، أي في ثمانينيات القرن الماضي، من سياسات الاعتماد على الذات في سورية والإحلال محل الواردات في ماليزيا، إلا أن الفوارق بين الاقتصادين السوري والماليزي حالياً باتت شاسعة.
يبدو تعيين عاصي في أحد أوجهه أقرب ما يكون إلى الاستفادة من التجربة الماليزية، فكما جاء وزير الاقتصاد السابق عامر لطفي متخصصاً في عمليات الانتقال ومراحل التحول الاقتصادي، ومازال كذلك بصفته رئيس هيئة تخطيط الدولة، لابد من القياس بالمسطرة ذاتها على الوزيرة عاصي القادمة من كوالالمبور. فتركة الاقتصاد ثقيلة، ومع تعاقب الوزراء غسان الرفاعي وعامر لطفي على حقيبة الاقتصاد بعد أن حملها نحو 15 عاماً محمد العمادي يبدو جلياً أن التوجهات لم تكن مختلفة إلى حد كبير، مع الأخذ بالحسبان عامل الزمن.
عانى الاقتصاد السوري الكثير خلال الفترة الماضية، وهو يحاول اجتياز السنوات الصعبة، فمراحل التحول تترافق دائماً بمخاطر الآلام، وأمام لمياء عاصي عدة ملفات ساخنة، وهذا ليس مثار خلاف أو جدل، إنما السؤال كيف ستعالج عاصي هذه الملفات؟ وهل ستستعين بالتجربة الماليزية التي يفترض أنها امتلكت بعض الخبرة فيها بحكم عملها في كوالالمبور؟
ينتقل الاقتصاد السوري اليوم إلى تجربة جديدة، فالعمادي كان مغرماً بالتخطيط المركزي والعمل الاقتصادي العربي وتفعيله، حتى إن المقربين منه كانوا يصفونه بأبي الاقتصاد العربي، والرفاعي الذي جاء بطموحات كبيرة ومشروعة أبرزها العمل على ضم سورية إلى اتفاقية التجارة العالمية ومنظمة الغات غادر دون أن يحقق شيئاً من هذا القبيل، ولطفي كان معنياً ومهتماً ببناء مؤسسات اقتصاد السوق الاجتماعي وتحديد الدور الذي يمكن أن تلعبه وزارة الاقتصاد بالنسبة للاقتصاد السوري تمهيداً للخروج بأقل الخسائر والآلام، كل هذا صار من الماضي وحان الآن دور الوزيرة عاصي ورؤيتها للاقتصاد السوري، اللذين مازالا غامضين.
النظر إلى الشرق الآسيوي، وتجربته، لم يعد ترفاً أو فرصة للاستفادة فقط، ربما هو اليوم مطلب جديد للاقتصاد السوري الذي أخذه وزراء سابقون إلى مدارس اقتصادية متعددة وأحياناً إلى اللامدرسة، إذ سار هذا الاقتصاد كيفما شاء القدر وحسب مقتضيات الحال أحياناً، فكيف سيكون التوجه؟ وأوربا التي فتحت ذراعيها للاقتصاد السوري لتوقيع اتفاقية الشراكة بعد طول تمنُع ورفض، هل ستبقى الشريك الاقتصادي الأول أم أن الظرف قد حان للتوجه شرقاً، والاتكاء على التجربة الماليزية في عملية الإصلاح الاقتصادي؟
إلا أن الجانب المهم في عمل وزارة الاقتصاد، وربما هذا هو الجانب المُعتم عليه، أن وزراء الاقتصاد في سورية في سنوات الأربعينيات والخمسينيات كانوا يدافعون عن الصناعة بالدرجة الأولى، كما فعل خالد العظم مثلاً، وفي العالم هناك دمج لوزارتي التجارة والصناعة بحقيبة واحدة، نظراً لترابط عملهما وتشابكه. ومن الظلم اختصار عمل وزارة الاقتصاد بتهيئة الاتفاقات التجارية، أو ممارسة دور وزارة التموين السابق، فهناك دور مهم وأكثر إلحاحاً ويتعلق بأن تلعب وزارة الاقتصاد دوراً محورياً في كل مناحي الحياة، ويُستعاد ألقها بعد أن خفت في عهد الوزيرين السابقين الرفاعي ولطفي، وانزوى إلى حدود ضيقة.
لا نعتقد أن الاقتصاد السوري بحاجة إلى مزيد من التجارب، أو الانتظار، إنه بحاجة إلى توجه يعيد استخدام الموارد كلها والاستفادة من الإمكانات المتوافرة واستثمارها، أياً كانت جهات التوجه والقدوم، لأن المسألة ببساطة هي في طريق الذهاب وليس الإياب، رغم المنعطفات التي تفرض تحويل الاتجاه أحياناً. وحتى يتبين ذلك نحن بانتظار أن تقول الوزيرة عاصي كلمتها.
|